الشيخ محمد الصادقي الطهراني

87

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

حريتهم وحيويتهم الطليقة الإيمانية في ذلك الزمن . وذلك البلاغ يدفع قوماً عابدين للصمود في عبادة اللَّه مهما بلغت بهم الصعوبات ، ناظرين بلوغهم إلى ذلك الزمن ، فلذلك يحضِّرون أنفسهم ليكونوا من أعضاء تلك الدولة الكريمة ، دون تقشُّف وتقاعُسٍ عن القيام بواجباتهم الجماعية سياسية وثقافية واقتصادية وعسكرية أمّا هيه ، وكما أمرهم اللَّه : « وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . . . » . فلقد جاءت هذه الرسالة الأخيرة كتاباً مفتوحاً للعقول المتفتحة ، شاملة لكافة الأصول الحيوية البنائة للحضارة الحقيقية المرضية ، واضعة أصول المنهج الدائم للحياة الإنسانية المتجددة ، كافلة للعقل الإنساني حرية العمل بكفالة حقها في التفكير الطليق . ومن قِيَم هذه المنهجية الحيوية أنها متوازنة متناسقة ، لا تعذِّب الجسد لتسمو بالروح ، ولا يهمل الروح ليستمتع الجسد ، ولا تقيد الفرد - / فقط - / لتحقيق مصلحة الجماعة أو الدولة ، ولا تُطلقه في نزواته وشهواته الطاغية لتوذي الجماعة ، ولا تقيد - / كذلك - / الجماعة لخدمة الفرد ، بل يستخدم كل فرد فرد لصالح نفسه ولصالح الجماعة على سواء . وهذه هي المصلحية اللابقة اللائقة لتأسيس الدولة العالمية ، من عباد صالحين ، و « إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ » . « وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ » 107 . وتلك الرحمة العالمية الرسالية لا تطبَّق إلّا على ضوء دولة عالمية ، ولكي ينتفع منها العالمون أجمع ويستظلوا في ظلها ، حين تذوب الفوارق الجغرافية والجنسية والعنصرية والطائفية أمّا هيه تحت رعاية هذه الدولة الأخيرة الاسلامية العالمية ، وذلك من المعني لقوله تعالى : « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً » « 1 » ، حيث الظهور الغلبة على الدين كله ، وهو الطاعة كلها ، إن ذلك يتخطى الأمل إلى العمل وليس الا في دولة القائم عليه السلام .

--> ( 1 ) ) . 48 : 28